الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
36
مختصر الامثل
شرط الإمامة ، الصبر والإيمان : تشير الآيات مورد البحث إشارة قصيرة إلى قصة « موسى عليه السلام » وبني إسرائيل لتسلّي نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله والمؤمنين الأوائل وتطيّب خواطرهم ، وتدعوهم إلى الصبر والتحمّل والثبات أمام تكذيب وإنكار المشركين التي أشير إليها في الآيات السابقة . تقول الآية أوّلًا : « وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتبَ فَلَا تَكُن فِى مِرْيَةٍ مِّن لِّقَائِهِ » . أي : فلا تشكّ أو تتردّد في أنّ « موسى » قد تلقّى آيات اللَّه ، وقد جعلنا كتاب موسى « التوراة » وسيلة لهداية بني إسرائيل « وَجَعَلْنهُ هُدًى لِّبَنِى إِسْرَاءِيلَ » . ثم تشير الآية التالية إلى الأوسمة والمفاخر التي حصل عليها بنو إسرائيل في ظلّ الإستقامة والإيمان لتكون درساً للآخرين ، فتقول : « وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بَايَاتِنَا يُوقِنُونَ » . لقد ذكرت الآية هنا شرطين للإمامة : أحدهما : الإيمان واليقين بآيات اللَّه عزّوجل ؛ والثاني : الصبر والاستقامة والصمود . ولمّا كان بنو إسرائيل - كسائر الأمم - قد اختلفوا بعد هؤلاء الأئمّة الحقيقيين ، وسلكوا مسالك مختلفة ، فإنّ الآية الأخيرة من الآيات مورد البحث تقول بلحن التهديد : « إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيمَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ » . أجل . . . إنّ مصدر ومنبع الاختلاف دائماً هو مزج الحق بالأهواء والميول ، ولما كانت القيامة يوماً لا معنى فيه للأهواء والميول ، حيث تمحى ويتجلّى الحق بأجلى صوره ، فهناك ينهي اللَّه سبحانه الاختلافات بأمره ، وهذه أيضاً إحدى فلسفات المعاد . أَ وَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَاتٍ أَ فَلَا يَسْمَعُونَ ( 26 ) أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَ فَلَا يُبْصِرُونَ ( 27 ) وَيَقُولُونَ مَتَى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ( 28 ) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ ( 29 ) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ ( 30 ) يوم إنتصارنا : كانت الآيات السابقة ممزوجة بتهديد المجرمين من الكفار ، وتقول الآية الأولى من الآيات مورد البحث إكمالًا لهذا التهديد : « أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ